دخلَت البلاد في مدار الفوضى على كل الأصعِدة. لم تنتهِ ثلاثية الحوار بينَ الثنائي الشيعي ورئيس التيار الوطني الحرّ بشأن مبادرة رئيس مجلس النواب نبيه برّي إلى «لا شيء»، وحسب. لو اقتصرت على ذلِك، لكانَ الأمر أسهل. أفضَت المداولات إلى أبواب جديدة للتعقيدات، بدلاً من التمهيد لفتح نافذة أمام حلول للأزمة الحكومية. لا تتطلّب وقائع الأمور عناءً كبيراً لاستخلاص أن الفشل لا علاقة له بوزيرين واسمين وحقيبتين، بقدر ما هو نتيجة لمحاولات طرفيْ الصراع الأساسييْن استيلاد نمط حكم جديد وقواعد سياسية جديدة تعيد ترسيم نفوذهما. وعليه، فإن فائضاً من التشاؤم ساد في الساعات الأخيرة، بعدَ أن ثبت بالمعطيات أن الرئيس المكلّف سعد الحريري حسمَ قراره بالاعتذار، قبل أن ينقل قراره إلى حالة «وقف التنفيذ» بناءً على طلب رئيس المجلس الذي «صارَ مقتنعاً بأن لا فرصة متاحة تسمح للحريري بالتشكيل، خارجياً أو داخلياً»، بانتظار «الاتفاق على بديل». ولو أن مؤشرات مستجدة برزت تقول إن الحريري، ورغم أن فكرة الاعتذار لا تزال تراوده، إلا أن حركته نهاية الأسبوع الماضي هدفت إلى تكريس صورته كزعيم أوحد للطائفة السنية من خلال اجتماعه مع دار الفتوى، واللقاءات التي عقدها مع شخصيات سنية، حتى إن بعضها غير مقرّب منه، وأنه تقصّد فعل ذلك للتخفيف من جدية الأجواء التي سُرّبت عنه أخيراً في ما خص الاعتذار. مردّ هذه المفارقة، وما تضمره من تحول سريع في «تكتيك» الرئيس المكلف، أن الظروف المتوافرة التي تمنع اعتذاره لا تقل عن تلكَ التي تمنعه من التأليف.